جرائم فرنسا

متابعة مستجدات ملف التفجيرات النووية الفرنسية وتعويض شعب الصحراء

– صفقات مشبوهة لتحويل العراق الى مقبرة ومدافن للنفايات النووية والكيمياوية

ا.د. عبد الكاظم العبودي
     لم تخجل السلطات الحاكمة في العراق من صمتها المريب قرابة عشر سنوات عن ملف جرائم الولايات المتحدة الامريكية في العراق الناجمة عن استخدام قواتها لاعتدة اليورانيوم المنضب والفوسفور الابيض وقصفها الهمجي للمدن العراقية واريافها بشتى انواع الأسلحة والاعتدة.
وقد شهدت محافظات العراق كافة كوارث اشعاعية وبيئية فضيعة وخاصة محافظات البصرة والعمارة والناصرية وواسط وبابل والفلوجة والرمادي. كما ان الحكومات العراقية التي نصبها وورثها الاحتلال التزمت الصمت المطبق والمخزي عن حجم التركة الكيمياوية والإشعاعية التي تركتها القوات الأمريكية المغادرة للعراق وجرت التسويات مع ادارة الاحتلال وفق ترتيبات وصفقات مشبوهة مع حكومة المالكي. تشير الاخبار المتسربة عن تلك الصفقات هو ترك أمر نقل وإخفاء آلاف البراميل والحاويات الى عدد من سماسرة حكومة المنطقة الخضراء ومقاوليها ليقوموا بأشغال ردمها وإعادة توزيعها في المناطق التي يمكن ان تستهدف لأغراض معينة ومبيتة أو بشكل مقصود، وتحويل بعض المناطق الى مكبات ومدافن إشعاعية وكيمياوية قاتلة للبشر وملوثة للبيئة والتربة والمياه والحياة.
        واستنادا الى تقارير صحافية ووثائق اعلنها البنتاغون نشرت متطابقة تؤكد أن القوات الأميركية خلفت ورائها نحو خمسة آلاف طن من النفايات الخطرة إضافة إلى 14500 طن من الزيوت النفطية والاتربة الملوث بالزيت التي تراكمت على مدى سنوات تواجدها في العراق. وبدلا من رفعها وإعادتها الى الولايات المتحدة او نقلها الى قواعدها خارج العراق لكن ادارة الاحتلال ابقتها من دون صيانة وتطهير، مما أدى إلى تفشي الأمراض وإلحاق ألأضرار الخطيرة بالإنسان والبيئة، وها هو العراق يعاني من تركات الحروب والعمليات العسكرية الأمريكية بآلاف الاطنان من النفايات ومنذ  قرابة العقدين من السنين.
قد يظن البعض إن الأمريكيين قد أتموا انسحاب دباباتهم وإقلاع طائراتهم ورفع ببنادقهم وحمل صناديق رصاصهم عن ارض العراق لكنهم في الحقيقة تركوا على ارض الرافدين هداياهم المسمومة القاتلة والتي تبقى تأثيراتها إلى أزمان طويلة قادمة. وهم حتى وإن عدلوا من أرقام خسائرهم ومعداتهم الحربية بما يتناسب والمطلوب تسريبه إعلاميا لكنهم فعلوها أيضا بتزوير أرقام تركتهم من المواد المشعة والكيمياوية على ارض العراق وعندما أوكلوا بقية التسريبات لمخلفاتهم إلى عملاء العملية السياسية وصفقاتهم السرية لتسوية أوضاع الأرقام والصفقات الخاصة بنقل النفايات وإيجاد مواقع تجميع لها. لكن الامور سوف لن تبق بتلك السرية التي أحاطوا بها الموضوع فسرعان ما أظهرت الأمراض المتفشية وسط السكان خبث صنيعهم بأرض العراق وأهله.
     أعلنت وزارة الصحة العراقية في شهر آب/ أوت الماضي تسجيل 16 ألف إصابة بالسرطان في العراق سنوياً، يتصدرها سرطان الثدي عند النساء. وتقف خلف هذه الأرقام المرتفعة والتلاعب بها حزمة أسباب والتزامات متبادلة لا تستبعد الطمع في اتمام الصفقات التالية من ميزانيات خاصة وادارة مستشفيات وشراء الأدوية الفاسدة.
     قلما تجرأ حراس النفايات الأمريكية المتروكة في العراق من المسؤولين العراقيين في قطاع الصحة والبيئة القول:  إن أشعة أعتدة اليورانيوم المنضب بين العامين 1991 و2003 وبعدها،  كانت  من أهم المسببات للكوارث المرضية القائمة في العراق، ويجري التكتم عن أرقام أُخرى من الكوارث الناجمة عن مخلفات الجيش الأميركي وعملياته العسكرية وهجوماته على الفلوجة ومدينة الثورة وديالى ومدن اخرى ادرجت  كوارثها تحت باب مكافحة  “العمليات الإرهابية” . وتكون معركة مطار صدام الدولي غداة وصول القوات الامريكية الى مشارف بغداد وهزيمتها المنكرة في اول محاولة للهجوم على مركز بغداد، ثم استدركتها باستخدام أسلحة الاشعاع المؤين، ولا يستبعد استخدام الأسلحة الإشعاعية النيوترونية في محيط مدينة بغداد، وفي معركة المطار تحديدا.
وعندما اشتدت عمليات المقاومة العراقية ضد قوات الاحتلال وعناصر شركات الحماية الخاصة مثل بلاك ووتر والمرتزقة، جاء الدور الامريكي للانتقام ضد مدن مدينة الفلوجة والنجف والثورة وديالى وبابل والبصرة وغيرها من المناطق التي شهدت ساحاتها مقاومة ورفض ضد قوات الاحتلال الامريكية والبريطانية خاصة، فجرت هنا وهناك عمليات انزال لوحدات القوات الخاصة وجرى قصف القوات الامريكية لاحياء تلك المناطق والمدن بشتى انواع الاسلحة. وكان سكانها تلك المناطق من أكثر ضحايا العمليات العسكرية للقوات الأميركية معاناة وفتكا، حيث تشير الدلائل والدراسات المتخصصة ان القوات الامريكية استغلت تلك العمليات لتجريب اسلحتها وتقنياتها الحربية  واستعملت الكثير من الاعتدة الخفية، وأوضحها كانت علنا استخدام أعتدة  الفوسفور الابيض التي تم به قصف مدينة الفلوجة ظاهريا، ولا يعرف بعد ماذا استخدم من اسلحة اخرى خلال تلك المعارك وعمليات القصف المتعمد.
 كما شهدت كبرى مدن محافظة الأنبار في العام 2004، ويضاف لها مدن ديالى وصلاح الدين بدورها شهدت معارك كبيرة ومحدودة خاضتها وحدات متخصصة من الجيش الأميركي ضد فصائل المقاومة العراقية استخدمت خلالها ذخائر خاصة باليورانيوم المنضب والمخصب ايضا، أين وجدت في مواقع عديدة آثار لمادة اليورانيوم المخصب لم يكشف بعد عن اسباب وجودها هناك في تلك المواقع المقصوفة، كما لم يعرف بعد أي نوع من الأسلحة تكون قد استخدمت، لكن المحصلة الكارثية النهائية تؤكد وعلى الأرض والأجواء والمياه هو ان هناك عراقاً ملوثاً بشتى انواع النفايات وبقايا تركة الحرب، حتى بات، وكما تشير تقارير أمريكية محدود التوزيع، ان الحالة في العراق باتت تشكل خطرا حتى على وجود القوات الأمريكية نفسها، خاصة عندما شهد العراق في السنوات السابقة مظاهر متكررة من حالات هبوب العواصف الترابية وتغيرات كبيرة في مناخ العراق، وهبوب الكثير من العواصف الترابية المحملة بالغبار والمواد الخطرة، والتي اعتبرها الكثير من المعنيين والدارسين لأوضاع البيئة سبباً إضافيا ورئيسياً في ظهور أمراض السرطان والتشوهات الخلقية التي لم تتحدد او ترصد في محافظة عراقية معينة دون أخرى، مما يعني ان الكارثة باتت أكبر مما يجري الإعلان عنه بالتخفيف من شدة خطورة الحالة، وخاصة  في التصريحات الإعلامية المحلية والأمريكية.
     واذا كانت بيانات منظمة الصحة العالمية تعتبر سرطان الرئة وسرطان الثدي، للعام 2008، هما من أكثر أنواع الأورام السرطانية انتشارا على مستوى العالم، وان أعداد الحالات الجديدة لمرض سرطان الرئة التي تم تسجيلها على مستوى العالم وصل إلى 61،1 مليون شخص، وحل سرطان الثدي في المرتبة الثانية بعد سرطان الرئة، حيث بلغ عدد الإصابات الجديدة بهذا المرض 38،1 مليون شخص ثم سرطان الأمعاء 23،1 مليون شخص. فان معدل الاصابات في العراق لا يمكن وضعها في الحالة الطبيعية؛ بل الاكثر كارثية كما سنرى من خلال التقارير العلمية والطبية.
واذا كان مرض السرطان ينتشر بشكل واسع في الدول الأكثر فقرا على خلفية التدخين والتلوث البيئي وعوامل أخرى، وكما تشير الإحصائيات إلى أن إجمالي عدد الحالات الجديدة للإصابة بمرض السرطان خلال العام 2008 وصل إلى نحو 7،12 مليون حالة فيما بلغت الوفيات بهذا المرض لنحو 6،7 مليون. وفي العراق يتم التستر على الأرقام الحقيقية سواء لهذين المرضين او البقية التي بدت تفصح عن نفسها بشكل باتت المستشفيات تعلن عن عجزها في متابعة رصد الحالات الجديدة المسجلة واغلبها تنهي الى الوفاة وتسجل تحت أبواب وفاة يجتهد الأطباء في تصنيفها او تشخيصها .
     في منتصف العام 2010 تصاعدت ارقام الإحصائيات العراقية، معبر عنها في  إحصائيات وأرقام وتقارير مخيفة؛ فعن السرطانات المسجلة في عموم العراق ظهر إحصاء منسوب لمركز الإشعة والطب النووي العراقي، يشير الى تسجيل نحو 7 آلاف حالة إصابة بمرض السرطان منذ بداية عام 2010  حتى منتصفه، فيما أعلنت مركز الإشعة والطب النووي العراق أيضاً عن وجود 17 % من الحالات المذكورة بالإقليم. وحسب تقارير لهذا المركز: إن المواطنين العراقيين يواجهون كارثة كبيرة من الناحية الصحية، وذلك بسبب ارتفاع نسبة الإصابة بمرض السرطان؛ فقد تم تسجيل نحو 7 آلاف حالة إصابة بهذا المرض منذ بداية عام 2010. أشار كاظم حسين في قسم تسجيل أسماء المصابين بمرض السرطان، خلال بيان احصائي،معترفا إلى إن العراق كان لديه عددا من الإصابات المسجلة خلال ذلك العام ، وقدر بنحو 15 ألف و132 مصابا بالمرض في عموم أنحاء البلاد.
 من جانب آخر اعلن الدكتور قاسم فالح- من معهد ومستشفى الإشعة والطب الذري في بغداد- إن أكثر من ثلثي مجموع المصابين بالسرطان في العراق هم من المناطق المحيطة بالبصرة، والمحاذية لحدود الكويت. وقد تضاعفت الإصابات السرطانية بعد الحرب مباشرة، كما ظهرت حالات غريبة أخرى، لم تكن معروفة قبل العام 1990، مثل سرطان الثدي، لدى الفتيات بعمر دون (12) عاماً، وسرطانات مسجلة لدى أعداد كبيرة من العوائل الساكنة في جنوب العراق، منها سرطان العظام لدى الأطفال الصغار، وسرطان المجاري البولية لدى المراهقين، والأورام السرطانية في المجاري التنفسية حتى لدى الأطفال الرضع.
وقد سبق أن أكد  قسم دراسات الأورام الخبيثة بجامعة بغداد بعد حرب 1991 ظهور أمراض لم تكن معروفة سابقا، أو لم تكن مألوفة لدى السكان في العراق، ولم يألفه التشخيص الطبي من قبل ،  وأكد القسم في دراسات أخرى كان قد أعدها سابقا وتم نشرها في مناسبات عديدة منه الى بلوغ معدل حالات السرطان 5.7 في ميسان و 4.3 في ذي قار، مقارنة بإجمالي  النسبة  بحدود 1.7 في العراق. كما تم تسجيل تغيرات جوهرية في أنواع السرطان، يمكن إجمالها في الملاحظات التالية:
ارتفاع عال في الإصابة باللوكيميا” سرطان الدم” واللمفوما، وسرطان العظام؛ بينما كان معدل عمر مرضى السرطان أقل من السابق؛ بمعنى تمت ملاحظة وتسجيل لإصابات في أعمار مبكرة من العمر المعتاد، وبشكل مناقض للمعايير الدولية المعروفة.
وقوع إصابات ببعض أنواع السرطان التي لم تكن معروفة أو مألوفة في العراق سابقا، مثل سرطانات الدماغ والكبد، التي تم تسجيلها بأعداد متزايدة.
ـ  حصول عدد كبير من التغيرات الفسيولوجية والخلوية عند بعض المرضى، وهي إشارة لكونهم قد تعرضوا لمخلفات وأشعة اعتدة اليورانيوم المنضب وتأثيراتها.
ـ  بلغ معدل التشوهات الولاديه  بحدود 3.1 في البصرة، مقارنة بإجمالي 1.8 في العراق.
ـ سجل أيضاً ارتفاع في الأمراض الوراثية ناتجا من التغيرات الحاصلة في التشوهات الكروموسومية والجينية مثل أمراض العين 2.5 والأطفال المنغوليين 6.6، وهناك حالات من التغير في عدد وشكل بعض أعضاء الجسم 1.3، والتقلص في حجم الرأس (أو حتى اختفائه) وبضعف الغدد ونشاطها.  كما سجل وجود تأخر ملحوظ في النمو العقلي لأطفال سن السادسة بحوالي (14 شهرا) مقارنة بوضع النمو الطبيعي.
 هذه المعدلات المنشورة وغيرها، حتى وان تفاوتت في التقدير لم تعد تشير إلى إصابات منعزلة في حدود الأسرة أو المدينة او المنطقة أو الحي؛ بل تطورت الى حالة اقليم عامة وخاصة في الجنوب العراقي ولمجمل محافظاته الجنوبية وفي بعض مناطق غرب العراق.
ولأن حالة جنوب العراق البيئية والصحية  تقترب من ربع قرن من المعاناة فقد اشار اليها وبحث فيها العديد من الباحثين والأطباء وخبراء البيئة والتلويث،  نشير الى البعض منها التي وردت ضمن توضيح  لأستاذ الوبائيات والرعاية الصحية بكلية الطب بجامعة البصرة الدكتور عمران سكر حبيب، مشيرا إلى  أن التقارير العلمية الموثقة تذهب إلى إن نسبة 18 % من السكان في جنوب العراق مصابون، أو هم معرضون للإصابة بأمراض السرطان. وأكد إن الإحصائيات الحالية تشير إلى زيادة نسبة الإصابة بالإمراض السرطانية في محافظتي البصرة والناصرية والمناطق المحيطة بهما،  مؤكداً السبب الذي يعود إلى استخدام اليورانيوم المنضب في الحرب على العراق عام 1991. واشار الدكتورعمران سكر حبيب إلى أن فريقاً مكوناً من اختصاصيين من كلية الطب ودائرة صحة البصرة واختصاصيين في التلوث الإشعاعي من بيئة محافظ البصرة قد تشكل قبل سنوات لغرض رصد مرض السرطان وارتفاع نسبة الإصابة به، فوجد بان الإصابات المسجلة بالبصرة هي 70 إصابة لكل 100 ألف مواطن في السنة، وهذا الرقم اقل من الرقم الحقيقي. ومع هذا فان نسبة الإصابة الحالية اكبر من النسب السابقة قبل عشر سنوات بمعيار الإصابات والوفيات؛ إذ كانت هناك ما يقارب 40 إصابة لكل 100 ألف إصابة. وقد أرتفع عدد الإصابات من 800 إصابة في العام 1995، إلى أكثر من 1600 إصابة في عام 2010 ، بما يدل بأن نسبة الزيادة بلغت 100%، ومن ضمنها الإصابات بسرطان الدم، وسرطان الثدي، وسرطان الغدد اللمفاوية.
يؤكد باحث عراقي آخر هو الدكتور جواد العلي تابع منذ عقدين هذا الملف: بان متوسط معدل الإصابة بالسرطان في محافظة البصرة بلغ 74.3 إصابة في عام 2010  كمعدل لمحصلة ارقام المناطق المختلفة لمدينة البصرة ومحيطها وهي على الشكل التالي:  (… في مدينة البصرة: 78.4، في الزبير: 80.0 ، في شط العرب (التنومة): 76.3، وفي أبي الخصيب: 72.3 ) لكل 100 ألف نسمة. وقد بلغت النسبة في النساء 80 حالة، وفي الرجال 68 لكل مئة ألف).
  أما ديناميكية أنواع السرطان المسجلة، فمقارنة مع عام 2003 وجد الدكتور العلي أن نسبة سرطان الثدي ارتفعت 227.5 %، وسرطان المعدة 133.3 %، وسرطان البلعوم 121.4 %، وسرطان الغدد اللمفاوية 118,2 %، وسرطان المثانة 100 %، وسرطان الرئة والقصبات 95.2 %، وسرطان القولون 88.2 %، وسرطان الجلد 70.9 %، وسرطان الدماغ 55.6 %، وسرطان الدم 39.1 %، في العام 2010
  رغم كل تلك الأرقام والاستغاثات التي اطلقتها الفرق البحثية والطبية في البصرة والتي تكررت منذ العام 1991 إلا أن البصرة ظلت بعيدة عن الرعاية الطبية، مشلولة الإرادات الطبية، وخالية حتى من امكانيات التشخيص والعلاج ومن دون مستشفى تخصصي يلبي احتياجات العلاج لضحايا الإشعاع والتلويث الكيمياوي بشتى انواعه. وأمام تصاعد أرقام الإصابات في البصرة وعموم الجنوب في العراق صار الامر لا يسمح بالسكوت، خاصة عندما اقترب الوضع من حالة الكارثة، فمحافظة البصرة ومحيطها منكوبة.
 وكما اكدت الزيارات الميدانية وتقارير الخبراء ان البصرة تحتاج الى أكثر من مستشفى تخصصي فان افتتاح المستشفى الوحيد للسرطان في تشرين الاول/ أكتوبر 2010 كان مجرد مناورة أمريكية لذر الرماد في العيون لتظهر الامريكيين ببراءة انسانية عما فعلت أياديهم.
 وعندما زرنا البصرة مرارا  في سنوات 1999  و 2000 و 2001  ضمن  وفود وبعثات دولية نقلنا الى العالم صورة حجم المأساة التي كنا ولا زلنا شهودا على فصولها الدرامية والمأساوية، قدرنا حينها حجم الكارثة ومأساة الوضع الصحي وحراجة وموقف الكوادر الطبية العراقية المجاهدة في البصرة الصابرة  وهم يواجهون أغوال واجتياح السرطانات اجساد مواطنيهم.
 كانت ظروف وآليات سنوات الحصار الامريكي على العراق من خلال تفعيل القرارات الجائرة باسم الامم المتحدة والشرعية الدولية جريمة مع سابق الاصرار والترصد كانت ولا زالت تقتل العراقيين وخاصة اطفال البصرة من دون رحمة وشفقة وإنسانية . لكن الحالة، كمل يقدرها الجميع، لم تعد مبررة بعد الغزو 2003 ونجاح احتلال جيوش الولايات المتحدة وحليفتها بريطانيا للبصرة والعراق كله واستمرا التجاهل للمأساة دون الالتفات الى وضع البصرة الطبي والصحي والبيئي والاجتماعي. فالمأساة المتفاقمة ظلت دون أي اهتمام رغم تغير السلطات ومجيئ الحكومات المحلية والحاكمة ببغداد التي كانت تتاجر بمظلومية أهل البصرة.
ولم يتصور أحد انه وبعد سبع سنوات ستنقل لنا وكالة الأنباء الفرنسية وبقية فضائيات الإعلام العراقي الحكومي خبر الالتفاتة الإنسانية الأمريكية البائسة والوحيدة عن الإعلان بافتتاح مستشفى اختصاصي للسرطان مخصصاً للاطفال في مدينة البصرة، لقد تأخر الغزاة والمنقذون الجدد عن مساعدة سكان البصرة التي تعد المدينة والإقليم الأكثر احتياجا في العراق للمساعدة منذ العام 1993. عامان مرا وهم  يتحدثون عن “مستشفى البصرة التخصصي للاطفال” ويقولون عنه هو: “الأول من نوعه في العراق وفي المدينة التي شهدت ارتفاعا كبيرا في حالات اللوكيميا في الأعوام الماضية”. وها هم يتبجحون من دون خجل وحراجة أيضاً  إلى مراسيم افتتاحه إلى انه : ” … ساهمت في بناء المستشفى، التي زينت جدرانه صور دونالد داك وميكي ماوس، وتبرعت به الولايات المتحدة الأمريكية واسبانيا وسلطنة عمان والإمارات العربية المتحدة والامم المتحدة”… الخ.  وتم تشخيص  المستشفى من قبل وزارة الصحة العراقية إلى انه:  ” المستشفى التخصصي الوحيد للأطفال المصابين بالسرطان في العراق، وبلغت كلفته 166 مليون دولار. وهو يعد الأول من نوعه في البلاد” ، و انه : “…  سيقدم الخدمات الطبية إلى الأطفال المصابين بالسرطان”… الخ من هذه الزفة والاحتفالية المكررة  التي قالت عنه، شيئا واخفت عن الناس والعراقيين خاصة الكثير من الأشياء معانات الأطفال وكذلك الفئات العمرية الأخرى وأحوال تشخيص ومعالجة السرطانات الأخرى في البصرة وفي المحافظات العراقية الأخرى التي ظلت أحوالها ومصائرها مرهونة بيد الأقدار القاسية عندما تناستها ميزانيات الحكومة العراقية وتخصيصات وزارة الصحة العراقية، وشوهتها تقارير الإعلام المحلي والأمريكي عن قصد ودراية وخبث .
   بحسب النائبة البصرية جنان البريسم المعتمدة في برلمان دولة المالكي التي شاركت بحفل افتتاح المستشفى بمعية وزير الصحة د. صالح الحسناوي، ننقل تصريحاتهما الاحتفالية، رغم ان المستشفى افتتح رغم انه لم يكتمل تجهيزه ولم يتم إعداده بشكل كامل. حضر المحتفلون عندما كانت معدات التشخيص الدقيقة كأجهزة المفراس الحلزوني والرنين النووي المغناطيسي وغيرها من الأجهزة والمعدات الطبية رهينة مداولات الصفقات بين السماسرة الحكوميين ووكلاء الشركات المجهزة.
إن نائبة البصرة البرلمانية والوزير الحسناوي نسيا أن مليارات الدولارات الأمريكية التي تتم  سرقتها من نفط وثروات العراق ومن حصة  تنمية محافظة البصرة ولم يصرحا عن جهود حكومتهما في مساعدة محافظة البصرة، لكنهما أضافا  ما في جعبتهما من مكنون  الامتنان للأمريكيين وكالا المديح لحكومة الاحتلال الرابعة، وأشادا بإنسانية الدولة الحليفة الغازية بشخص الإدارة الأمريكية وجهود سفارتها،  وتحدثا بإسهاب حول كلفة تنفيذ المشروع  التي قيل انها بلغت 166 مليون دولار أمريكي والتي تبرعت بمعظمه دول أجنبية هي الولايات المتحدة و إسبانيا، فيما أسهمت دولة الإمارات برفد المستشفى بعدد من الأجهزة والمعدات الطبية الحديثة، وتكفلت  سلطنة عمان بتدريب الكوادر الطبية التي ستعمل في المستشفى.
 أن النائبة البصرية جنان البريسم اعترفت إن : “المستشفى هو أول مستشفى حكومي يبنى في المحافظة منذ أكثر من 25 عاما “، و أن” البصرة لا تزال تحتاج إلى المزيد من المستشفيات والمراكز الطبية التخصصية، اثر ارتفاع الإصابات بحالات اللوكيميا في الأعوام الماضية”، لكنها تناست إن حجم الايواء السريري لهذا المستشفى لا يتجاوز 101 سرير، وهو يواجه مراجعة آلاف الأطفال المصابين بالسرطان. ولا تستوعب إمكانياته إحتياجات الآلاف الأخرى من المرضى من الفئات العمرية الاخرى المبتلية أيضا بشتى انواع السرطانات والامراض المرتبطة بتدهور البيئة والتلوث والاشعاع.
ورغم  كل ما قيل عن المستشفى من انه على سبيل المثال :  “أقيم على مساحة 1600  قدم مربع” ، وكأن الاشارة الى المساحة بالأقدام المربعة ترضية لبريطانيا المحتلة وهي لازالت تحسب مساحة العراق وابعاده بمقياس ووحدات النظام الانجليزي. تلك الاقدام الانجليزية المربعة من المساحة سوف لن تعالج حجم انتشار الأمراض المسجلة في البصرة ولا تساعد على مواجهة الكارثة المستفحلة باتساع خطورة الحالة الكارثية هناك. قيل عن المستشفى أيضا انه: ” من أحدث المستشفيات المتخصصة في العراق التي تعالج الحالات المستعصية والحالات التي يتم إحالتها من مستشفيات أُخرى المتعلقة بالأورام والأورام السرطانية وأمراض الدم التي تصيب الأطفال … و يقوم بمهمة الكشف المبكـر لمثل تلك الأورام من أجل تقديم العلاج في الوقت المناسب، وكذلك لمعالجة الأطفال الذين يعانون من مرض السرطان”، كل هذا قيل للاستهلاك الإعلامي؛  إلا ان الواقع الفعلي سيواجه الإعلام  بصرامة ويفند كثيرا من الأكاذيب ويحبط كثيراً  من الآمال التي كنا نتمناها لمثل تلك المشاريع الإنسانية والصحية الكبرى المنتظرة منذ عقدين.
نشير الى شهادة الأطباء العراقيين البواسل والشجعان في كل ظروف محنة العراق من الذين واجهوا محنة مواجهة سرطانات أطفال البصرة منذ سنوات طويلة وهم يتحدثون بصدق للإعلام الوطني والدولي وكما عرفناهم عن قرب وعن بعد في تقاريرهم العلمية والطبية وشهاداتهم التي أدلوا بها داخل وخارج العراق بكل صدق ومسؤولية أخلاقية عن تشخيص الحالة الكارثية في البصرة، وهم يفصحون هنا أيضا عن مواقفهم عشية احتفالية افتتاح المستشفى في البصرة اكتوبر/ تشرين أول 2010، ونورد شهاداتهم لأهميتها التوثيقية والعلمية ولمصداقية معاناتهم الشخصية والمهنية منذ قرابة العقدين، فهم يعانون من فقر الإمكانيات التشخيصية والأجهزة والأدوية والضغط من جميع الجهات وفي مواجهة تشخيص ومعالجة سرطانات أطفال البصرة والعراق من خلال تفانيهم في تقديم خبراتهم التي يشهد لها الجميع.
 قالت الطبيبة جنان حسن خلال مراسم افتتاح المستشفى: [ … ان حالات الإصابة بهذا المرض بين الأطفال دون 15 عاما، ارتفعت بأربعة أضعاف]. وأكد قولها هذا خلال الاحتفالية التي حضرها آباء وأمهات الأطفال الذين فقد بعضهم شعر رأسه، بسبب التأثيرات الجانبية للعلاج الكيمياوي، وقالت ايضا ان: [… معظم الحالات خطيرة، ما يعني ان أملهم ضعيف بالبقاء على قيد الحياة]. واشارت الطبيبة العراقية المختصة جنان حسن ايضا في ذات السياق: [… الى ان المستشفى كان يعمل بشكل جزئي لعدة اشهر قبل افتتاحه] . وأضافت انه: [ … انجاز جيد جدا، لكننا ما زلنا بحاجة إلى معدات متطورة ومختبرات وأدوية كثيرة،…  نامل الحصول عليها لاحقا]، . مشيرة كذلك إلى: [… ان تزايد حالات الإصابة بالسرطان في البصرة قد سجلتها دراسة أعدت هذا العام” 2010″  من قبل جامعة واشنطن في سياتل، باستخدام معلومات قدمت من قبلنا، وأُخرى من مستشفى ابن غزوان التعليمي.. ووجدت تلك الدراسة : ” ان حالة الإصابة باللوكيميا لدى الأطفال دون 15 عاما، قد تصاعدت تدريجيا منذ عام 1993 حتى 2007، و ان حالات الإصابة بسرطان الدم لدى الأطفال ” بلغت 698، بين عام 1993 و 2007، وتراوحت بين 15 حالة إصابة في العام الأول و 56 حالة في العام الأخير”… وكان أعلى معدل للإصابات ” 97 حالة في عام 2006″ وفقا لتلك الدراسة] .
    من جانب آخر: أكد الطبيب محمد كامل مساعد مدير المستشفى الجديد ان : [ … الدراسة أظهرت إن حالات الإصابة بسرطان الدم لدى الأطفال في البصرة ازدادت ثلاثة أو أربعة أضعاف… لكنها لم تكشف عن السبب ؟]  .
  إن تلك الدراسة وغيرها وخاصة تلك أُعلن عنها من أنها أنجزت او نشرت او تمت بتمويل أو تنظيم جامعات أمريكية معروفة كجامعة سياتل في واشنطن وغيرها والتي إعتمدت جمع إحصائيات ومشاهدات وتقارير الأطباء العراقيين، ولكنها سرعان ما تلاعبت في وضع التفسيرات الحقيقية الناجمة عن أسباب انتشار وتصاعد أرقام السرطان في العراق وخاصة في جنوبه.  وكما كنا قد نشرنا في تسعينيات القرن الماضي وقبل عقدين فضائح دراسات جامعة هارفارد الأمريكية وتقارير خبرائها الذين كانوا أول من وصلوا الى العراق نهاية 1991 وخلال سنة 1992 وحصلوا على آلاف العينات ونتائج المقابلات التي مسحت آلاف الأسر العراقية ودراسة الوضع الصحي والبيئي للعراق غداة الحرب الأمريكية على العراق 1991 وقد نشرنا تلك الفضائح وتلك التقارير واستنتاجاتها المزورة ودور تلك الجامعة الامريكية وخبرائها في مغالطة الوقائع وتجاهل الدمار الشامل عن استخدام أعتدة اليورانيوم المنضب. وقد أصدرنا كتابنا الصادر حينها بعنوان [” بشر نعم … فئران مخبرية لا … جرائم اليورانيوم المنضب في العراق].
وها هم الآن يكررون نفس تلك الحماقات العلمية واللا إنسانية؛  فهم في الوقت الذي يتجاهلون دور إستخدام الأعتدة الأمريكية المشعة ومخلفات العدوان الثلاثيني على العراق عام 1991 يضيفون في تجاهلهم الآن نتائج عمليات القصف الهمجي على مدن العراق خلال سنوات الحصار  الممتدة بين 1991 ـ 2003  ومن ثم الإقدام  على غزو العراق 2003 واحتلاله وما نتج عنها من كوارث استمرت قرابة العشر سنوات ولا زالت ، فانهم يحشرون الآن ضمنيا في تقاريرهم المسماة ” علمية” وهي في الحقيقة ” إعلامية”  أسبابا وأحداثا أخرى منها تربط بموضوع انتشار الامراض وتدهور البيئة العراقية وهي محاولة مشبوهة عندما تتم الإشارة بإقحام بعض “الدراسات”، والتصريحات لبعض من يطلق عليهم صفة ” باحثين مختصين” وتحميل المسؤولية على جهة واحدة وتبرئة الولايات المتحدة عندما يشيرون الى  : [ “مسؤولية النظام السابق في ثلاثة حروب مدمرة، وما تركه من مخلفات ومواقع كيمياوية ونووية دمرت اثناء الحروب” ].
 وللأسف يجري وبتجاهل متعمد في بعض التقارير ما تعرض العراق للقصف بأسلحة محرمة دوليا أُستخدم فيها اليورانيوم المنضب، من قبل القوات الامريكية والبريطانية، لكن الاشارة الى التلوث البيئي، و الصناعي، عن الكميات الكبيرة من الغازات المنبعثة من آبار النفط المحترقة في الكويت مثلا التي يعدها البعض من بين اهم الأسباب وراء تفشي أمراض السرطان وغيرها من نتائج الكارثة البيئية في العراق.
     بعد مرور فترة عامين على افتتاح المستشفى التخصصي للسرطان للأطفال في البصرة تتأكد الحالة الاكثر مأساوية في أن ” البصرة ظلت على حالها”، عندما أعلنت جامعة البصرة وأطبائها عبر عديد المؤتمرات العلمية التخصصية بداية هذا الشهر فيفري/شباط 2013 استغاثتها  من جديد وندائها الى العالم، ومن خلال تقارير أطبائها وبحوث مركز دراسات الخليج العربي بجامعة البصرة والفرق البحثية العراقية والأجنبية يجري من جديد إسماع العالم عن تصاعد معدلات السرطان فيها بنسبة تجاوزت %227 ، قياسا للعام 2003، وهو أعلى رقم للإصابات المسجلة في العالم.
رغم هذا، لكن الأكثر قلقا هو أن السلطات الرسمية العراقية بوزارتي الصحة والبيئة والهلال الأحمر والهيئات البرلمانية والحكومة المحلية في البصرة التزمت الصمت عن حالة ارتفاع أرقام السرطانات والأمراض المريبة الأخرى وانتشارها في مناطق البصرة والجنوب العراقي، وحتى في محافظات أخرى مثل بغداد والأنبار، ومدينة الفلوجة، التي استفحلت حالتها وباتت قضية تثير القلق أمام تصاعد أرقام الوفيات وتنوع الإصابات السرطانية الحاصلة اليوم، وخاصة عند الأطفال والولادات الجديدة المشوهة خلقيا، والتي غالبا ما يجري التعتيم عليها في التركيز المتعمد على أخبار التفجيرات والاغتيالات الفردية  الجارية هنا وهناك.
تذهب مجلة “دير شبيغل” الألمانية الى أنه وعلى الرغم من صمت آلة الحرب الأمريكية في العراق منذ نهاية عام 2011  [تاريخ الانسحاب الرسمي المعلن]، إلا أن مواليد البصرة والفلوجة يسجلون زيادة ملحوظة في حالات التشوهات الخلقية والإصابات بالسرطان بشتى أنواعه، وهو ما عزاه بعض الباحثين إلى دور الذخيرة والأعتدة التي احتوت على اليورانيوم المستنفذ الذي استخدمه الجيش الأمريكي في اسلحته المختلفة إبان غزوه للعراق وفي هجوماته المتكررة على المناطق والمدن التي يرى فيها المحتل انها تشكل حالة مقاومة  له ولسلطات الاحتلال وحكومته الصنيعة.
 وإذا ما سكتت الصحافة العراقية الحكومية ومصادر إعلام الحكومة العراقية عن تسجيل حالات مروعة من الولادات بتشوهات خلقية  في عموم مدن العراق فان صحيفة “دير شبيغل” وغيرها من الصحف البريطانية وحتى التقارير الأمريكية المنصفة وما نشره ناشطون عراقيون في الداخل والخارج ونقلا عن مشاهدات وأوصاف كثيرة متطابقة نقلت عن شهود عيان سجلوا بدقة رؤية مخلوقات بشرية مشوهة بعضها ولدت بعين واحدة أو برأسين أو بذيل، أو لأطفال بهيئة كاملة لكن أبدانهم تحمل وجوهاً ممسوخة، أو لأطفال إناث التحمت أقدامهن فيما يشبه جذع السمكة، فيما كان النصف العلوي بشكل آدمي، وغير ذلك من عجائب التشوهات الخلقية المعروفة لدى الأطباء وعلماء التشريح الطبي والمقارنة البيولوجية والفيزيولوجية.
رغم اتفاق الباحثين في حقل تأثيرات الأشعة المؤينة وعلماء البيئة والأطباء في كثير من الاختصاصات عن تلازم تلك الحالات السرطانية والتشوهات الخلقية وتصاعد معدلات الإجهاض والعقم الجنسي وبقية الأمراض مع وجود عامل وتأثير الإشعاع؛ إلا أن الإعلام الموجه لا زال يردد بغباء وسذاجة مفتعلة  وخاصة هذه الايام عن ربط الحالة النفسية للأمهات بالتفجيرات ونشاط الانتحاريين والقاعدة وفلول النظام السابق والقلق من  احتمال وقوع الحرب الأهلية السابقة والمنتظرة، وكأن المسؤولية تغيب هنا عن دور الأسلحة الأمريكية وتبعاتها الكارثية على ارض العراق ماضيا وحاضرا ومستقبلا.
 نقلت وكالة “أنباء الشرق الأوسط” عن مجلة “دير شبيغل” : أن حرب الخليج الأولى عام 1991 تمخضت عنها حالات إصابة بالسرطان. ولكن مثل تلك التقارير المبتورة عن سوابقها من تقارير سبق ان نشرتها وكالات دولية ومراكز أبحاث رصينة، وهي متطابقة الاستنتاجات حول تصاعد الأضرار وبمعدلات غير مسبوقة لا يمكن تبرئة القوات الأمريكية منها أبدا، خاصة عندما غزت العراق بكامله وقصفت قواتها مواقع واسعة من العراق، واستمرت في استخدام اعتدة أخرى في قصف المواقع والمناطق والمحافظات المقاومة للاحتلال، والتي شهدت ” تمردا” ، حسب التعبير الإعلامي الأمريكي، على سلطات الحكومات التي نصبها الاحتلال الأمريكي على العراق، وخاصة في عهد حكومات نوري المالكي وقبله اياد علاوي عندما أنجزت القوات الأمريكية وقوات الحكومة وشركات الحمايات الخاصة عمليات عسكرية وإنزالات واسعة، منها ما أعلن عنها، ومنها ما ظلت في طي الكتمان الى اليوم، تمخضت عنها كوارث بيئية وإصابات تضاف الى السجل القذر للحرب الأمريكية المستمرة على العراق منذ عام العام 1991 وبعدها 2003 والى اليوم.
 وبما ان بعض عمليات القصف تمت في إطار ما سمي ” الحرب النظيفة” أو” العمليات الجراحية”  والادعاء بأنها اجريت بانتقائية وحسابات دقيقة لتحديد وقصف مواقع محددة عبر رصد فضائي وتجسس ميداني ارضي حيث تم قصف مزارع وبيوت ومحلات محددة، لذا أصيبت عائلات بأكملها بأمراض غريبة منها ظهرت متأخرة وبعضها جاءت متتالية، مما يمكن إيعاز السبب إلى استخدام القوات الأمريكية لليورانيوم المستنفذ وغيره من الأعتدة المحرمة دوليا،  تلك التي كانت تمتلكها وتستخدمها الوحدات الخاصة المكلفة بمثل تلك المهمات القذرة؛ ولأن ثمة ارتباط بين الإصابة بالسرطان والتعرض للإشعاع فان تلك الأعتدة الأمريكية  وحامليها لا يمكن تبرئتها من المسؤولية الجنائية والقانونية الدولية كأسلحة إبادة منظمة.
 من هنا لفتت المجلة الألمانية ” دير شبيغل”  في ختام تعليقها وعديد مقالاتها السابقة والأخيرة إلى فداحة الجرم الأمريكي والحكومي العراقي؛ لأن الولايات المتحدة لم تقدم على الافصاح والاعتراف ببعض من أفعالها في أي جريدة رئيسية ومنعت نشر  أي شئ ما أو التنويه عنه، من قريب أو بعيد، عن تلك الاضطرابات والتشوهات الجينية المسجلة بمدينة الفلوجة، التي أورثتها هناك ذخائر اليورانيوم المستنفذ التي استخدمتها القوات الأمريكية في العدوان على العراق عامة،  وعلى الفلوجة خاصة، وعلى نفس المسار والمنوال صمتت الحكومات العراقية المتعاقبة في ظل الاحتلال صمت القبور.
تنقل التقارير الطبية والصحفية وبعض شهادات منظمات حقوق الإنسان ومنذ سنوات تقارير موثقة  عن سجلات الأطباء وملاحظاتهم في مدينة الفلوجة العراقية خاصة وغيرها بانهم يتعاملون مع حالات لتشوهات خلقية عند الأطفال الرضع وبنسبة تفوق بقية المدن العراقية بواقع 15 ضعفا، إضافة إلى حالات عن إصابات بالسرطان تكون مرتبطة بوجود مخلفات عسكرية في المنطقة وفي حالة تماس يومي مع حياة السكان وعيشهم مما  سبب ظهور حالات لافتة للنظر من الأمراض بمحلات وأحياء معروفة ومحددة كانت قد  تعرضت للقصف الجوي الأمريكي ولعمليات الوحدات البرية الخاصة ونيران وأعتدة قوات المشاة التي استخدمت كثافة إطلاق نار غير عادية عند اقتحامها للمدينة لعدة مرات.
 أشارت دراسة حديثة نشرتها مجلة التلوث البيئي والسُمّي في سبتمبر/أيلول 2012 إلى أن نسبة التشوهات الخَلقية في العراق ازدادت من 23 حالة من كل ألف ولادة حية عام 2003 إلى 48 حالة عام 2009، لكنها انخفضت إلى 37 حالة في الألف عام 2011 ، وهي السنة ألأخيرة التي لم تتوفر فيها بيانات كافية عن مثل هذه الحالات. لا يستبعد أن سبب انخفاض تلك الأرقام بسبب انشغال الناس بهموم حياتهم اليومية وعدم تسجيل تلك الوفيات في السجلات الرسمية للدولة ومصالحها الإدارية الغائبة تماما عن الانشغالات العامة لمثل هذا السجل الطبي والإحصائي الهام.
 أشارت دراسة أخرى تابعت التشوهات الخَلقية في كل من مدينتي البصرة والفلوجة العراقيتين، تمتا بتمويل من جامعة مشيغان الأمريكية، إلى أن التشوهات الولادية في البصرة ارتفعت كثيرا عما كانت عليه عام 1994؛ إذ سجل مستشفى الولادة في البصرة 1.3 تشوها ولاديا في الألف في ذلك العام.
تجدر الإشارة إلى أن صحيفة “الغارديان” البريطانية ذكرت في الأول من كانون الثاني/ جانفي 2011 ان تشوهات المواليد الجدد في الفلوجة تفوق 11 ضعفا التشوهات العادية بسبب الهجوم الأمريكي عام 2004، مبينة ان قنابل الفسفور الأبيض المستخدمة في الهجوم أدت إلى الإضرار بجينات المواليد الجدد وحصول تشوهات في الهيكل العظمي لديهم، كما أدت إلى زيادة كبيرة في أمراض السرطان والجهاز التنفسي وأمراض القلب.
يذكر انه في شهر نيسان/ افريل من العام 2004  قُتل مسلحون أربعة من الحراس العاملين في شركة “بلاك ووتر” الأمنية الأمريكية ومثلوا بجثثهم وعلقوها على جسر عند طرف المدينة ما أدى إلى استفزاز الأمريكيين، فحاولوا دخول المدينة وسحق التمرد فيها لكنهم ووجهوا بمقاومة شرسة، وبعدها بستة أشهر حشدت القوات الأمريكية للمدينة وتمكنت من سحق الجماعات المسلحة فيها مستخدمة مختلف أنواع الأسلحة ومنها الفوسفور الأبيض في معركتها الثانية ما تسبب بمقتل عدد كبير من السكان إضافة الى تلوث بيئة المدينة وهو ما أكدته شركات غربية وأبحاث  أُجريت على التربة في الفلوجة وفي المناطق التي ضربها الجيش الأمريكي حيث عثر على آثار لليورانيوم بمعدلات مرتفعة للغاية.
 وأوضح التقرير الذي نشرته صحيفة “الغارديان” البريطانية في احد أعدادها السابقة إن عددا من الأطباء المتخصصين الذين عملوا في المؤسسات الصحية المحلية بمحافظة الأنبار وفي الفلوجة خلال الفترات السابقة يدقون ناقوس الخطر من اتساع وارتفاع نسبة حالات الولادات الناقصة والإجهاض والتشوهات الخلقية، خصوصا بين الأطفال الرضع، وشرعت تلك الهيئات بتجميع سجلات طبية لجميع المواليد في المدينة ومتابعتها وسط حذر شديد. كما أكدت الصحيفة إن مجموعة من الأطباء العراقيين والبريطانيين المعنيين بهذا الأمر قدموا عريضة للجمعية العامة للأمم المتحدة يطالبون فيها بتشكيل لجنة تحقيقات مستقلة للوقوف على أسباب تلك التشوهات والمساهمة في جهود تنظيف وتطهير مدينة الفلوجة من المواد السمية التي خلفتها الحروب المتتالية في العراق.
 كما نشرت صحيفة “الإندبندنت” البريطانية قبل سنوات دراسة لاحظت زيادة معدلات الإجهاض في العراق نسبته الى ارتفاع نسب تلوث الهواء بالرصاص والزئبق، بالإضافة لزيادة حالات تشوهات المواليد، متضمنة العيوب الخلقية بالقلب ومشاكل وظائف المخ وتشوهات الأطراف، خاصة بين الأطفال الذين يولدون بالفلوجة. كانت القوات الأميركية قد استخدمت في عملياتها العسكرية بهدف القضاء على المسلحين في مدينة الفلوجة، حسب تصريح بياناتها، عامي 2004 و2007 أنواعا مختلفة من الأسلحة من بينها المحرمة دوليا. وعلى الرغم من إنكارها الأمر في البداية إلا انها اقرت لاحقا باستخدام ذخائر الفسفور الأبيض في الفلوجة. وبهذا الصدد نشير الى ما قالته كاتبة تلك الدراسة،  وهي خبيرة البيئة بكلية الصحة العامة بجامعة ميتشيغان موزجان سافابيشفهاني ان:  “هناك دليل يؤكد على وجود صلة بين زيادة حالات الإجهاض والإصابة بعيوب خلقية بين المواليد وبين العدوان العسكري على العراق”.  وأشارت الدراسة الى وجود عيوب خلقية كذلك بين الأطفال الذين ولدوا في البصرة بعد اجتياح القوات البريطانية للمدينة و
يمثل هذا التقرير وهي ضمن الدراسات الأحدث التي تشير بوضوح إلى علاقة الأسلحة الأمريكية المستخدمة في الحرب على العراق مع زيادة معدلات الأطفال الذين يولدون بعيوب خلقية في هذا البلد، وقد ركزت هذه الدراسات على تسعة مناطق في العراق تعد من أعلى المناطق التي تعاني مخاطر صحية نتيجة هذه الحرب منها الفلوجة والبصرة. تبين للباحثين الذين فحصوا عينات من شعر سكان الفلوجة.
إن معدلات الرصاص تزيد خمس مرات أكثر في شعر الأطفال الذين ولدوا بعيوب خلقية عنهم من الأطفال الآخرين، كما وجد الباحثون أن هناك زيادة في نسبة الرصاص في أسنان أطفال البصرة ثلاث مرات أكثر من الأطفال في مدن العراق الأخرى. المعروف ان الرصاص ينتقل خلال فترة الحمل من عظام الأم إلى طفلها ويكون مستوى الرصاص في دم الأم مماثل لمستواه في دم الجنين. لذا يكون الأطفال والأجنة في العادة أكثر حساسية للتعرض للرصاص من البالغين مما يؤثر على المخ والنظام العصبي المركزي للطفل مسبباً الغيبوبة والتشنجات وصولاً إلى الوفاة أحيانا، كما تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن الأطفال الذين يتعرضون لتلوث الرصاص يصابون باضطرابات عقلية وسلوكية كبيرة.
 كما أثبتت الدراسات المُجراة لدينا بجامعة وهران ومنذ سنوات عدة في قسم الكيمياء الحيوية مدى تأثيرات الرصاص ومركباته المختلفة على الحالة الأنزيمية والهيماتولوجية والسلوكية على حيوانات المخبر المختلفة من خلال التعريض للرصاص بنسب وتراكيز مختلفة عن طريق تسرب المعدن إلى الجسم عن طريق الماء والغذاء الملوث.
يتسبب التعرض للزئبق بإمكان حدوث عطب في المخ والكلى والأجنة، ويمكن أن يخترق الزئبق الهواء والماء والتربة، ويمكن أن يمر تأثيره السيئ من الأم الى الجنين مؤدياً لعطب بالمخ ومشاكل عقلية، وعمى، ونوبات تشنجية وفقدان القدرة على الكلام.
وفيما يخص التلوث باليورانيوم المنضب، فانه إضافة إلى مخاطرة الإشعاعية يعامل أيضا كمعدن سمي ثقيل ويمكن أن تصل ذراته ودقائقه الى البدن والى التأثير على الحيوانات المنوية والبويضات وحتى الأجنة مما يزيد من مخاطر الإصابة بالسرطان وحدوث التشوهات الجينية ومنها الخلقية.
 كان الكاتب البريطاني روبرت فيسك قد اشار في مقالة له في صحيفة “الاندبندنت” في 12  نيسان/ افريل 2012، إلى ارتفاع معدلات تشوهات الولادة في الفلوجة بنسبة 15% بفعل استخدام القوات الامريكية للفوسفور الابيض واستخدام الأسلحة الكيميائية في عملياتهم العسكرية التي شنوها للقضاء على المسلحين[المقاومين] الذين اتخذوا من المدينة قاعدة لعملياتهم ضدها بين عامي 2004 و 2007، واستشهد الكاتب بدراسة أُجريت عام 2010 أشارت إلى زيادة في معدلات وفيات الرضع، والإصابة بأمراض السرطان في الفلوجة التي تجاوزت تلك التي ذكرت من قبل الناجين من القنبلة الذرية التي ألقيت على مدينتي هيروشيما ونياغازاكي اليابانيتين في نهاية أيام الحرب العالمية الثانية 1945، مضيفا ان آخر تلك الدراسات لاحظت ان التشوهات الخلقية تصيب 15% من المواليد الجدد بالفلوجة.
رغم نشر الدوريات العلمية والطبية الغربية وخاصة في الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا التقارير عن أوضاع الصحة في العراق الا انها ظلت تنحو إعلاميا الى التقليل من الأرقام من جهة او تقدم تفسيرات تضليلية لمسببات الكارثة الحقيقية للتلويث البيئي للمناطق التي شهدت تسجيل ارتفاعات للسرطان والتشوهات الخلقية والإجهاض وغيرها.
 وعندما تحاول تلك التقارير التبرئة الجزئية لأفعال الاحتلال واعتدته الإشعاعية والسامة،  منها تذهب إلى تحميل المؤسسات العراقية نفسها المسؤولية عن تقاعسها في إجراء عمليات التطهير وتنبيه السكان من الابتعاد عن المواقع ذات الصلة بالتلويث البيئي كمناطق التصنيع العسكري التي كان يستخدمها النظام العراقي السابق والتي كانت أيضا عرضة للقصف والنهب والسرقة بعد الفلتان الأمني الذي شهده العراق وتعرضت خلاله المخازن والمعدات العسكرية والمدنية الصناعية إلى اكبر عمليات السرقة والنهب دون الاهتمام والإدراك لمخاطر المواد والمعدات المنهوبة.
في هذا الصدد لا بد من مناقشة عدد من التقارير الغربية بهذا الصدد: يقول المحلل الأمريكي، ديفيد آيزنبيرغ، حول دراسة أُجريت في البصرة، ورغم اعترافه من ان تلك الدراسة تكشف عن زيادة مدهشة في عدد التشوهات الخَلقية في مستشفى الولادة في البصرة، وان الأرقام التي أوردتها تلك الدراسة  تشير بوضوح إلى أنها أكبر بكثير من المعدل السائد للتشوهات الخَلقية في العالم؛ لكن هذا المحلل وغيره من المحللين الغربيين غالبا ما يلجأون إلى المقارنات غير الدقيقة، ويتناسون المسببات الحقيقية للأمراض التي تشهدها المدن العراقية، فمثلا تعزو تلك الدراسة اسباب تلك التشوهات إلى ما يسمى علميا بـ  “هايدروسيفالوس”، وهو تجمع للسوائل في الدماغ عند الأطفال، والذي بلغ معدله في البصرة ستة أضعاف ما موجود في كاليفورنيا الأمريكية، على سبيل المثال.
أما التشوهات في الدماغ والعمود الفقري والجهاز العصبي في مراحله الأولى فقد بلغ في البصرة 12 حالة تشوه لكل ألف ولادة، مقارنة مع حالة واحدة لكل ألف ولادة في الولايات المتحدة.
وترى الدراسة أن السبب وراء زيادة التشوُّهات الخَلقية الولادية هو زيادة التعرض للتلوث المعدني وبالأخص معدنيْ الزئبق والرصاص. ولا ادري لماذا يجري تناسي اليورانيوم المنضب كمعدن ثقيل وعنصر كيميائي له سمية عالية ومنتشر على نطاق واسع في البصرة وأحوازها. وبطبيعة الحال فان اليورانيوم وانتشار خردة المعدات العسكرية الأمريكية والعراقية المصابة والأعتدة وانتشار المواد الكيميائية والمصانع المخربة بالقصف والإهمال كلها كانت مسببات لانتشار الرصاص والزئبق وغيرها من المعادن الثقيلة ذات السمية العالية في البيئة العراقية.
    من أجل اختبار ذلك الافتراض [ وهو يحمل تضليلا مقصودا ومسبقا لما ستؤول اليه النتائج بحصر المسببات بالعناصر الثقيلة كالزئبق والرصاص دون الاشعاع واستبعاد دراسة تأثيرات انتشار دقائق اليورانيوم كمعدن ونظير مشع وعدد من مكونات الأعتدة الامريكية المعدنية الثقيلة] فقد استمرت تلك الدراسة على تكرار نفس الخطأ في البصرة في استبعادها  لرصد عناصر كيمياوية أخرى، ثقيلة وغير ثقيلة، أفرزتها العمليات العسكرية الامريكية في الفلوجة،  فقد قام الباحثون بدراسة 56 عائلة في مدينة الفلوجة، غربي العراق، [ المدينة التي شهدت أكثر المعارك في العراق شراسة بعد عام 2003، وسجلت ان نصف الأطفال في تلك العوائل يعاني من تشوه ولادي خلقي في الفترة بين الأعوام 2007 و 2010] .
والأهم من نتائج تلك الدراسة  تأكيدها  على أن شعر الأطفال الذين ولدوا مشوهين يحتوي على خمسة أضعاف كمية الرصاص وستة أضعاف كمية  الزئبق مقارنة مع نسبة وجود هذين المعدنين في شعر الأطفال السليمين. كما وُجد هذا الحجم المرتفع من التلوث المعدني لدى آباء الأطفال الذين ولدوا مشوهين في البصرة أيضا.  يذكر أن تلك الدراسة هي ليست الأولى التي تربط بين الحرب في العراق والتشوهات الخَلقية عند الأطفال. ولكنها تعمدت استبعاد دور الإشعاع واليورانيوم ونتائجه الانشطارية من المعادن في سلسلة تحولات اليورانيوم والفوسفور وغيرها من المعادن من الدراسة لأسباب تتعلق بمستقبل تحميل المسؤولية الجنائية والقانونية على فعل القوات الامريكية الحربي ومسؤولياتها عن استخدام الاسلحة المحرمة دوليا، وليس على التلويث البيئي بعناصر معدنية معينة دون غيرها، الذي يمكن إيعازه أمريكيا الى ظروف ومسببات بيئية أُخرى يمكن من خلالها للقوات الأمريكية تبرئة نفسها من الدور الأساسي للكارثة الا وهو القصف بالأعتدة الحاوية على كل العناصر الثقيلة والسامة والإشعاعية.
الأمر غير الواضح في تلك الدراسة وغيرها من الدراسات الغربية ذات الصلة بالتمويل والإشراف والمتابعة هو ابتعادها المباشر عن تناول مدى ارتباط العلاقة بين ارتفاع نسبة التشوهات الخَلقية والسرطانات وتدهور النظام المناعي ومقاومة الامراض بنشاطات قوات التحالف عند غزو العراق واحتلاله.
 ومع هذا فان نصف الإعتراف بدور تلك الأعتدة الأمريكية في العراق يمكن الاستدلال عليه من خلال استنتاجات جزئية ومن خلاصات دراسة جامعة مشيغان نفسها، التي تعترف من ناحية:  بخطورة المعدنين الثقيلين السامين على حياة العراقيين، ولكنها تتنصل عن تحديد علاقة المسببات المرضية بنتائج الدراسة وبإنكار العلاقة السببية بشكل يقيني مغالط للحقائق العلمية بقولها :  “إن معدني الرصاص و الزئبق  معدنان سامّان يُستخدمان بكثرة في صناعة العتاد، لكن ذلك لا يبرهن على وجود علاقة مباشرة بين استخدامِهما في البصرة والفلوجة وارتفاع التشوهات الخَلقية“.
ولم نجد ادنى إشارة في كثير من الدراسات الأخيرة إلى كمية التلويث الناجم عن احتراق وقود المركبات الثقيلة والدبابات والآليات الأمريكية وعمليات طائراتها وإبحارسفنها في أجواء وموانئ ومدن العراق المحتلة وفي أجوائه  وترابه ومياهه؛ فما لفظته تلك الآليات من مركبات كيمياوية خطرة ناجمة عن احتراق ملايين الالتار والاطنان من البنزين والمازوت وغازات وسوائل الوقود الاخرى وما طرحته تلك الآليات والمحطات والقواعد من كميات هائلة من مركبات الرصاص سواء في الهواء أو في الترب العراقية حيث تُركت ايضا مئات الالوف من منظومات البطاريات ومراكمات الرصاص والبطاريات وأجهزة الشحن الكهربائي الأخرى التي كانت تستخدم  في معداتها الآلية والالكترونية وتشغيل وحداتها وقواعدها العسكرية التي تركت بعضها بشكل مقصود لتقع بيد السماسرة والمتعاملين في خدمة قواعد الاحتلال من المجهزين وبائعي الخدمات المختلفة والتجار في السوق السوداء، ومنها تسربت الى ساحات الخردة وبيعت في الأسواق، وتم استخدمها من قبل السكان بحكم الحاجة، دون دراية بتأثيراتها البيئية والصحية.
   تختتم تلك الدراسة الأمريكية بعضا من استنتاجاتها على طريقة المسرحية الفكاهية المعروفة ” شاهد ما شافش حاجة” بالقول:  [ … إن قصف تلك المدن “ربما فاقم من تعرض الناس للمعادن والذي تُوج بانتشار الوباء الحالي”]. وما أقبح قول مثل هذا من فعل قام به الأمريكيون وتوابعهم ؟.
    الحقيقة التي لا غبار عليها:  ان مجمل الدراسات توضح أن الأزمة كلفت الأطفال العراقيين حياتهم، وأن هناك حاجة عاجلة لإجراء المزيد من الأبحاث بهدف التعرف على الأسباب وإيجاد العلاج ورعاية الضحايا. وحتى يحصل كل ذلك فإن الأسئلة ستبقى تدور في أذهان الكثير من العراقيين وعند باحثي البيئة في العالم حول مدى أبعاد ومستقبل تأثيرات الحرب التي قادتها الولايات المتحدة الأمريكية على العراق والمنطقة خلال العقدين الأخيرين والتعرف على مجالاتها البيئية والصحية والاجتماعية والاقتصادية؟؟ ولا بد ان يعرف العالم مدى كلفة المغامرة الأمريكية المستمرة بنتائجها الوخيمة والمتفاقمة على حياة العراقييين ومستقبل أجيالهم.
ذكرت دراسة أُخرى عام 2010 ونشرت في المجلة العالمية للأبحاث البيئية والصحة العامة، أجريت على 5000 عائلة في مدينة الفلوجة: ” أن هناك معدلات مقلقة للإصابة بالسرطان، وأن معدل الوفيات بين الأطفال بعمر سنة واحدة أو أقل قد وصل إلى 80 حالة وفاة في الألف، وهذا عال جدا، مقارنة بمعدلها في مصر البالغ 19.8 في الألف مثلا“.
 واذا ما تفهنا دوافع التكتم والتزوير التي تتعرض له النشريات الامريكية حول مأساة العراق البيئية والصحية لكن المفارقات الفاجعة هنا ان من نصبتهم ادارات الحكومة العراقية في ظل الاحتلال ومنهم  امين عام منظمة أطفال السرطان المدعو ليث الصالحي في تصريح  له لإحدى الوكالات: ” أُطالب الجهات المختصة بإنشاء المراكز المتخصصة لعلاج مرضى السرطان في البصرة”. وهذا مطلب لا يختلف عليه أحد ومن  ضمن حقوق الإنسان الأساسية، ومن واجب منظمات الهلال والصليب الأحمر أن تبادر إلى حماية الضحايا . يشير ليث الصالحي أيضا الى :  ” أن اصابات السرطان في البصرة للأطفال في تزايد، حيث ذكرت آخر إحصائية قام بها مختصون أن نسبة الإصابات وصلت إلى 122 لكل مئة الف طفل…  وهناك معاناة كبيرة بين ذوي المصابين بالسرطان في البصرة تتجلى في: أولاً:  لعدم توفر المراكز المتخصصة للعلاج.  وثانيا:  لغلاء أسعار العلاج“.
 ان غياب عنصر التشخيص للمسببات التي كرست الكارثة البيئية في العراق والإدانة الواضحة للجرائم الأمريكية غالبا ما يتجاهلها المسؤولون العراقيون عند تناولهم لمكونات هذا الملف الخطير. فمن جهة اخرى يتسائل وزير العلوم والتكونولوجيا رائد فهمي ومن دون خجل في إن: ” المشكلة تكمن في تصاعد معدلات الإصابة بالسرطان في البصرة وغيرها” ، و يعترف انه:  ” لا يعرف أو يتمكن أن يحدد للإعلام كم هي عدد الإصابات”. والأغرب في تصريحات الوزير إنها جاءت وهو يحاول ذر الرماد في العيون عندما يعلن : ” … إن وزارة العلوم  والتكنولوجيا تقوم ببحث مشكلة أسباب السرطان بسبب التلوثات… وقد كانت لنا اتصالات عديدة قبل ستة أشهر مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية وبرنامج مكافحة السرطان، ولدينا تعاون جيد معهم“.
حسب علمنا إن وزراء حكومة المالكي  لا يبالون بمصير المتابعة لمثل هذه القضايا طالما انها خارج نطاق الصفقات المالية الكبيرة وليس من ورائها اتمام صفقات مالية وسرقات توفرها بعض الميزانيات المالية، المحلية منها او التي تقدم ضمن ما يسمى  بـ ” المساعدات الدولية”، وخاصة تلك المرتبطة بتمويل البحوث الامريكية في العراق عن طريق صيغ التعاون مع منظمات وهيئات عراقية يجري تكليفها باتمام المطلوب عمله وفق التوجهات الأمريكية ومراميها الإستراتيجية، وما ستفرضه عند كتابة الاستنتاجات والتوصيات لنتائج مثل تلك البحوث التي تشترط مسبقا استبعاد المسؤولية الأمريكية المباشرة وغير المباشرة للكارثة القائمة في العراق أو مدن العراق كالبصرة والفلوجة.
والفاجعة هنا ان السيد رائد فهمي وزير العلوم والتكنولوجيا في العراق لا يخجل حينما يقدم هكذا شهادة مجانية لصالح أمريكا حين يضيف أن:  ” …  اليورانيوم المنضب بالبصرة لا يشكل السبب الوحيد للإصابة بالسرطان؛ لأنه لو كان كذلك، لكان الأمر هينا”. ويضيف الوزير مستدركا:  “… إلا أن مشكلة التلوث في البصرة معقدة؛ لأن هناك أمور ملوثة كثير، منها المياه، والأمر يحتاج إلى بحث علمي كبير ودراسة متأنية وشاملة للتلوث في الوسط والجنوب”. يقول وزير العلوم والتكنولوجيا كل هذا وهو يتجاهل  أن مدينة البصرة، قد تعرضت للتلوث باليورانيوم المنضب الذي استخدم في الحرب على العراق إبان حرب الخليج في عام 1990، وكذلك عند غزو العراق عام 2003. انه الثمن الفادح الذي دفعه العراقيون وهو العربون الذي أوصله وأمثاله الى الوزارة الوصية على العلوم والتكنولوجيا التي يصرح باسمها بمثل هذه التصريحات المخجلة.
لا نستبعد أن تكون تلك التصريحات وغيرها توطئة جديدة لمرحلة عراقية قادمة تتحول فيها المؤسسات العلمية والوزارات المعنية بالعلوم والتكنولوجيا والبيئة والصحة الى شهود زور والعمل على لطمر بقية الملف الذي باتت روائحه تزكم الأنوف. فرغم تصاعد الفضائح والصرخات لإنقاذ شعب العراق من محنة النفايات النووية والكيمياوية التي تركتها الولايات المتحدة يجري استدراج وتوظيف حكومة ووزارات المالكي إلى واحد من أكثر الأفخاخ والمصائد الأمريكية بتوريط عملائها وبقبول حكومته توقيع اتفاق مع الجانب الأوربي يسمح للأوربيين وغيرهم باستقبال ودفن النفايات المشعة في الأراضي العراقية.
 تتردد الأخبار الواردة في الإعلام عن استياء دولي كبير من قيام حكومة العراق بالاتفاق مع الاتحاد الأوربي لبناء مكبات للنفايات النووية في العراق. وقد عبرت منظمة السلام الأخضر للعالم العربي ” غرين بيس العالم العربي”  Arab World Green Peace عن قلقها الشديد من مذكرة التفاهم بين وزارة العلوم والتكنولوجيا العراقية والاتحاد الأوروبي، والتي سيجري بموجبها بناء مكب للنفايات النووية المشعة على أرض العراق، حسب ما جاء على صفحات المنظمة البيئية في مواقع التواصل الاجتماعي لها أخيرا.
 رغم  هذه الفضيحة بقيت أطراف الحكومة العراقية، التي لم تستح من فعلتها، وهي تعتبر توقيعها على تلك الاتفاقية انجازا علميا، وهي تتبجح بالإمتنان للمساعدات الأوربية المقدمة للعراق في اطار تعاون مشبوه يغطي أهدافا ومرامي أوربية وأمريكية مبيتة اخرى . وحسب ما أُعلن:  إن الاتحاد الأوروبي سيمنح بموجب تلك المذكرة العراق 2.6 مليون دولار لتصميم وتجهيز ذلك المكب، كما ذُكر في بيان صحفي للوزارة العراقية للعلوم والتكنولوجيا.
     أبدت ” منظمة السلام الأخضر للعالم العربي “غرين بيس العالم العربي” دهشتها من هذا الاتفاق، وعن قلقها الكبير من آثار دفن النفايات النووية في العراق. ونقلت المنظمة عن صفاء الجيوسي، منسقة حملات الطاقة والمناخ لغرين بيس في الأردن، قوله:  إنه لا توجد طرق آمنة لدفن مثل هذا النوع من النفايات أو حتى طريقة مضمونة لعزلها عن البيئة المحيطة؛ حيث تحتاج تلك النفايات ومدافنها إلى مئات آلاف السنين لتصبح آمنة؛ فضلا عن إن كمية النفايات التي تنتج بكل خطوة من دورة الوقود النووي، سواء كانت في عمليات استخراج اليورانيوم إلى تخصيبه ومن ثم في تشغيل المفاعلات النووية ستكون هائلة، وتأثيرها السام يستمر للأجيال القادمة.  كما طالبت منظمة السلام الاخضر” غرين بيس” من الحكومة العراقية بإلغاء هذه الاتفاقية، حرصا على سلامة الشعب العراقي وأجياله القادمة. وذكرت أن أضرار هذا المكب النووي لا تُحصى، مشددة على أن الأولوية يجب أن تكون لسلامة الإنسان والأرض دائما.
 إننا نرى الحكومة العراقية بكل طواقم وزاراتها وهي تختلس المليارات من خزانة الدولة العراقية ليست بحاجة الى رشوة بسيطة وعادية تقدمها لها المجموعة الأوربية فهي لا تتجاوز 2.6 مليون دولار كما نشر عنها، وقد وعد الجانب الأوربي بتقديمها لبناء ذلك المكب النووي المزعوم؛ وإنما تكون وراء تلك الجهات مصالح أمريكية وأوربية وإسرائيلية وستجد تلك الأطراف لها الفرص للتخلص من نفاياتها على الأراضي العراقية، وتتيح الفرصة للولايات المتحدة خاصة التنصل عن مسؤولياتها عن أية مخاطر مستقبلية ناجمة عن تركتها الثقيلة من اليورانيوم المنضب، وسوف تكون لها الفرصة مستقبلا برمي المسؤولية عن أية حوادث تلوث إشعاعي في العراق بانها منسوبة الى نشاط عراقي وأوربي، وهي بعيدة عنه وليست ضمنه.
ويحق لنا، وبغياب التفسير المقنع لما يجري في العراق ولما تقوم به أجهزة الحكومة العراقية القائمة الآن  وأن نتسائل: إن كانت هناك من الدوافع الإقليمية الأخرى تجبرها على القبول بمثل هذه الاتفاقية وقد  تقف وراء مشروعها الخطير رغبة وحاجة إيرانية كامنة؛ خاصة والكل يعرف ان من يقف في صدارة وزارة التعليم العالي والتنفيذ لمثل هذه الصفقات المدعو علي الأديب وزير التعليم العالي الحالي، ومن خلاله يمكن للتسلل الإيراني المحتمل جدا أن يستفيد الإيرانيون من هذه الصفقة بهذا الشكل أو ذاك، سواء بالخبرات او تسريب نفاياتهم الى ذلك المكب المزعوم والدفن فيه؛ خصوصا ان متابعة تسرب النفايات الكيمياوية والميكروبية الإيرانية الى الأراضي والمياه العراقية قد سجلت تصاعدا كبيرا في مياه شط العرب والى مسارب الاهوار العراقية شرق محافظتي العمارة والبصرة. كما ان المفاعل النووي الإيراني في بو شهر سيحتاج بدوره مستقبلاً إلى منافذ للتخلص من نفاياته النووية ودفنها مستقبلا.
21 فبراير 2013
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

معلومات

This entry was posted on 24 فبراير 2013 by in غير مصنف.

الابحار

%d مدونون معجبون بهذه: